أبو حامد الغزالي
179
تهافت الفلاسفة
مسألة في تعجيزهم عن إقامة الدليل على أن الأول ليس بجسم فنقول : هذا إنما يستقيم لمن يرى أن الجسم حادث ، من حيث إنّه لا يخلو عن الحوادث ، وكل حادث فيفتقر إلى محدث . فأما أنتم إذا عقلتم جسما قديما ، لا أول لوجوده ، مع أنه لا يخلو عن الحوادث ، فلم يمتنع أن يكون الأول جسما ؟ ! ، إما الشمس ، وإما الفلك الأقصى ، وإما غيره . فإن قيل : لأن الجسم لا يكون إلا مركبا منقسما إلى جزئين ، بالكمية ، وإلى الهيولى والصورة بالقسمة المعنوية ، وإلى أوصاف يختص بها لا محالة ، حتى يباين سائر الأجسام ، وإلا فالأجسام متساوية في أنها أجسام ، وواجب الوجود واحد ، لا يقبل القسمة بهذه الوجوه كلها . قلنا : وقد أبطلنا هذا عليكم ، وبيّنا أنه لا دليل لكم عليه ، سوى أن المجتمع إذا افتقر بعض أجزائه إلى البعض ، كان معلولا ، وقد تكلمنا عليه ، وبيّنا أنه إذا لم يبعد تقدير موجود ولا موجد له ، لم يبعد تقدير مركّب لا مركّب له ، وتقدير موجودات لا موجد لها ، إذ نفى العدد والتثنية ، بنيتموه على نفى التركيب ، ونفى التركيب ، على نفى الماهية سوى الوجود ، وما هو الأساس الأخير فقد استأصلناه ، وبيّنا تحكمكم فيه . فإن قيل : الجسم إن لم تكن له نفس ، فلا يكون فاعلا ، وإن كان له نفس ، فنفسه علة له ، فلا يكون الجسم أولا .